عدم استقلالية المحاكم العسكرية

يتمّ تعيين جميع قضاة المحاكم العسكرية من قبل السلطة التنفيذية ما يجعل استقلاليتهم موضع شك.

يخضع القضاة العسكريون الذين يؤلفون المحاكم العسكرية لمبدأ التسلسل العسكري وبالتالي فهم ليسوا قضاة مستقلين ونزيهين. وقد عبّرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في توصياتها إلى الحكومة اللبنانية في نيسان/أبريل ٥٠١٩٩٧ عن قلقها إزاء توسع الصلاحيات التي تتمتع بها المحاكم العسكرية.

٥٠ توصيات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم لمتحدة، نيسان/أبريل ١٩٩٧ : ” (…) تعرب اللجنة غن قلقها اذاء النطاق الواسع للولاية القضائية للمحاكم العسكرية في لبنان وبخاصة توسيعها الى ما هو أبعد من القضايا التأديبية وتطبيقها على المدنيين. كذلك، يساورها القلق اذاء الاجراءات التي تتبعها هذه المحاكم العسكرية، فضلاً عن انعدام رقابة المحاكم المدنية على اجراءات المحاكم العسكرية وأحكامها. وينبغي على الدولة الطرف مراجعة الولاية القضائية للمحاكم العسكرية ونقل اختصاصها في جميع المحاكمات المتعلقة بالمدنيين وفي جميع القضايا المتعلقة بانتهاكات حقوق الانسان التي يرتكبها العسكريون الى المحاكم المدنية”.

أصول المحاكمة أمام القضاء العسكري

يُفترض في إجراءات المحاكمة التي تطبّقها المحاكم العسكرية أن تكون موجزة. الا أنَ المحاكمة قد تطول لسنوات عديدة في بعض القضايا ذات الطابع الأمني والسياسي مع إبقاء المتهمين قيد التوقيف.

يستعين الضباط بكتاب كدليل للقيام بمهامهم. جلسات المحاكمة هي علنية من حيث المبدأ إلا أنه يمنع سائر المحامين والمواطنين من حضور جلسات المحاكمة باستثناء من هم طرف فيها. إن الاستعانة بمحام أمر منصوص عليه في القانون، لكن يمكن لرئيس المحكمة أن يمنع المحامي من الدخول إلى المحكمة العسكرية لمدة شهر واحد “لأسباب تأديبية” غير محددة وواضحة. في مثل هذه الحالة تكلف المحكمة ضابطاً عسكرياً ليتولى الدفاع عن المدعى عليه دون الحصول مسبقاً على موافقة هذا الأخير.

إنّ حقوق الدفاع هي مقيّدة بشكل ملحوظ. يحق للنيابة العامة العسكرية أن تستأنف قرار قاضي التحقيق بمنع المحاكمة عن المدعى عليه، في حين لا يمكن للمتهم أن يستأنف قرار الإتهام الصادر ضدّه. تصدر المحاكم العسكرية أحكامها على أساس لائحة أسئلة مطبوعة تتعلق بوقائع الجريمة، وظروف التشديد، والأعذار المحلة، والظروف المخففة التي يجيب عليها قضاة المحكمة بشكل جد موجز.

وبالنظر إلى أنّ إجراءات المحاكمة هي ذات طابع استثنائي فالمحكمة معفية من تعليل قراراتها وتصدر الأحكام بمجرد اختتام الجلسة.

تطبّق المحاكم العسكرية قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى جانب قانون القضاء العسكري الذي تتناقض بعض أحكامه مع القانون الأوّل.

إنّ إجراءات المحاكمة أمام المحاكم العسكرية لا تخضع لرقابة القضاء العدلي.

إنّ الاختصاص المقرّر للمحاكم العسكرية بالنظر في آل فعل يشكل “تهديداً لأمن الدولة” أو “التحريض على الاقتتال” يمنحها السلطة بمحاكمة مدنيين لمجرّد أنّ المدعي العام العسكري قد ادّعى عليهم بهذه الجرائم.

فالمحاكم العسكرية ليست مختصة بالنظر في الجنح والجنايات والمخالفات المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري التي يرتكبها عسكريون فقط لا غير، بل أيضاً في الجنح والجرائم المتعلقة بشكل مباشر أو غير مباشر بعسكري. ويشمل اختصاصها أيضاً كل موظف مدني يعمل لدى الأجهزة الأمنية وأيضا كل شريك بعمل إجرامي ارتكبه عسكري. وقد تمّ الحدّ من هذه الصلاحية الواسعة في العام ١٩٧٧ عبر إخراج الجنايات والجنح التي يرتكبها أفراد قوى الأمن (باستثناء الجيش) خارج فترة أدائهم لعملهم والأفعال التي يرتكبها عناصر الشرطة القضائية ذات صلة بممارستهم لمهامهم العادية، من صلاحية القضاء العسكري.

صلاحيات المحكمة العسكرية

إنّ تنظيم وتأليف المحاكم العسكرية وطريقة عملها تشكل جميعها انتهاكاً للمبادئ التي تصون الحق بمحاكمة عادلة.

إن المحاكم العسكرية منظمة وفقاً للقانون رقم ٢٤ تاريخ ١٣ نيسان/أبريل ١٩٦٨ . وهي تابعة لوزارة الدفاع التي تمارس عليها نفس الصلاحيات التي تمارسها وزارة العدل على المحاكم المدنية.

من يحاكم أمام المحكمة العسكرية؟

المادة 24- معدلة وفقا للقانون رقم 306 تاريخ 3/4/2001
تختص المحاكم العسكرية بالنظر في:
1- الجرائم المنصوص عليها في الكتاب الثالث من هذا القانون.
2- جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو  المنصوص عليها في المواد 273 حتى 287 من قانون العقوبات وفي المادتين 290 و291 منه أيضاً وفي القوانين الخاصة التي تعاقب على هذه الجرائم.
3- الجرائم المتعلقة بالأسلحة والذخائر الحربية المنصوص عليها في قانون الأسلحة وذلك ضمن الشروط المحددة فيه وفي هذا القانون.
4- الجرائم المرتكبة في المعسكرات وفي المؤسسات والثكنات العسكرية.
5- الجرائم الواقعة على شخص احد العسكريين، باستثناء تلك التي تقع على شخص احد المجندين ولا تتعلق بالوظيفة.
6- الجرائم الواقعة على شخص أحد رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام.
7- الجرائم الواقعة على الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الوطني والمحاكم العسكرية أو لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام إذا كان لهذه الجرائم علاقة بالوظيفة وتستمر هذه الصلاحية بعد تسريح الأشخاص المذكورين في الفقرات 5 – 6 – 7 – .
8- جميع الجرائم، مهما كان نوعها، التي تمس مصلحة الجيش أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام.
9- الجرائم الواقعة على شخص أحد رجال الجيوش الأجنبية أو التي تمس بمصلحتها ما لم يكن هناك اتفاق مخالف على تحديد الصلاحية بين الحكومة اللبنانية والسلطة التابعة لها هذه الجيوش.
10- مخالفات الأحكام المتعلقة بخدمة العلم.

تتألف المحاكم العسكرية في لبنان من:

- قاضي منفرد عسكري في كل محافظة.

- محكمة عسكرية دائمة مقرّها في بيروت. تتألف هذه المحكمة وفقاً للمادة ٦ من قانون القضاء العسكري من غرفتين:

غرفة تنظر في قضايا الجنح التي تخرج عن اختصاص القضاة العسكريين المنفردين. وتتألف الغرفة من ضابط (من رتبة مقدّم وما فوق) رئيساً ومن عضوين (أحدهما قاض عدلي، أما الثاني ضابط عسكري دون الرئيسرتبة وليست لديه بالضرورة خلفية قانونية). غرفة الجنايات، تتألف من ضابط برتبة مقدّم رئيساً (بغض النظر عن مؤهلاته القانونية) ومن قاض من ملاك القضاء العدلي ومن ٣ ضباط (حيث تكون رتبتهم أقل من رتبة الرئيس). وحين تنظر المحكمة في قضية تتعلق بأحد عناصر قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام أو أمن الدولة أو الجمارك، فهي تضمّ ضابطين من ذات السلك العسكري الذي ينتمي إليه المدعى عليه. وعند محاكمة عدّة مدعى عليهم في قضية واحدة فمن الضروري أن يتمثل آل مدعى عليه بضابط من ذات السلك العسكري الذي ينتمي إليه. يمكن الطعن على قرارات المحكمة أمام محكمة التمييز العسكرية وفقا لأحكام القانون.

٤٩ توصيات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، نيسان/أبريل ١٩٩٧ : ” ترى اللجنة أنّ بعض جوانب النظام القضائي للدولة- الطرف لا تمتثل لأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسيايسية… أنّ حقيقة أن القرارات التي يصدرها المجلسالعدلي غير قابلة للأستئناف يخالف الفقرة الخامسة من المادة ١٤ في العهد”.

- محكمة النقض العسكرية مقرّها في بيروت. يرأسها قاض من ملاك القضاء العدلي لدى محكمة التمييز، يعيّنه الرئيس الأوّل لمحكمة التمييز.

حالات الدفاع المشروع عن النفس

حالات الدفاع المشروع عن النفس

فإذا لم يكن ثمة خطر على الاطلاق لانه لم يرتكب فعل او ارتكب فعلا لا يهدد بخطر فلا محل للدفاع وقد قضي أن الشتتيمة لا تمثل خطراً يحتمل الدفاع المشروع فجاء في متن إحدى القرارات الصادرة عن  محكمة جنايات بيروت ـ الثانية ما يلي:

“وحيث أن الأدلة المتوافرة في ملف الدعوى لا تشير إلى أن المجني عليه قام بعمل اعتداء من شأنه أن يضع المتهم في حالة دفاع مشروع عن نفسه. ولم يتوافر فيها ما يثبت جزماً أن المجني عليه باشر عملاً من أعمال العنف ضد المتهم قبل أن يقدم هذا على اطلاق النار عليه. علماً بأن الشتيمة، مهما بلغت، لا تشكل فعل اعتداء يبيح الرد عليه بالقتل. فيكون الادلاء بحالة الدفاع المشروع عن النفس في غير محله القانوني ومستوجباً الرد[1].

إن لفظة حق التي يستعملها الشارع  هنا هي ذات بعد قانوني بحت وليس انساني عام وبالتالي يعد الخطر غير محق injuste  اذا كان يهدد باعتداء على حق يحميه الشارع الجزائي , اي كان يهدد بتحقق نتيجة جرمية معينة : فمن يحمل السلاح في جسم غريمه ينشئ بفعله خطراً يهدد حق المجنى عليه في الحياة , وهو حق يحميه الشارع الجزائي , و يهدد بتحقق الوفاة , وهي نتيجة جرمية يقوم بها القتل , و لذلك يعد الخطر الذي ينشئه هذا الفعل خطر غير محق . ولكن ليس بشرط كي يكون الخطر غير محق ان يبلغ الفعل المنشئ له حد اعمال السلاح في جسم المجنى عليه , فمجرد توجيه السلاح الى جسمه او التهديد به , بل ان مجرد حمله في ظروف تجعل استعماله في الاعتداء على الحياة محتملا , كل هذه افعال تنشئ خطرا غير محق على الحياة . وتطبيقاً للضابط نفسه , فان توجيه المجرم قبضة يده الى وجه المجنى عليه وان لم يصبه فعل ينشئ خطرا مهددا للحق في سلامة الجسم , وهو لذلك خطر غير محق,لذا وجب التمييز بين الدفاع قبل تحقق النتيجة الجرمية وبين ردة الفعل اللاحقة لهذه النتيجة فإنّ الأولى برأينا يمكن تبريرها ضمن الدفاع المشروع و لا تبرر الثانية إلا إذا كانت تهدف إلى درء خطر لاحق وهذا سهل الإثبات  كما نرى نظرا ًلتكون قرينة العدائية بسبب تحقق الإعتداء الأول.—-

المبحث الثاني:من ناحية موضوعه.

نعني بالموضوع أي ما يقع عليه الإعتداء .فقد نص الشارع على جواز الدفاع المشروع لدفع تعرض على { النفس او الملك } ويعني ذلك اطلاقه هذا الحق ضد كل فعل تقوم به جريمة على النفس او المال دون ما تفرقه بين النوعين .——-

ماذا عن الجريمة ضد الشرف كالذم او القدح؟

وإن كان يصعب تصور ممارسة الدفاع المشروع فيها إلا أنها تدخل حتماً ضمن الجرائم الواقعة على النفس وبالتالي يحق للمعتدى عليه اللجوء الى الدفاع المشروع  , ولكن تطبيق اشتراط حلول الخطر على هذه الجرائم – وهي لا تفترض عنفا مادياً وانما ترتكب بقول او كتابة او ايماء – يقتضي القول بأنه لا محل للدفاع الا اذا كان ضرورياً لمنع المعتدي من البدء في اقواله او كتابته او ايمائه او الاسترسال فيها , اما ذا انتهى من نشاطه فنطق بكل عبارته مثلاً فان ما صدر بعد ذلك من عنف لا يعد دفاعا , و انما يكون انتقاما غير مبرر .

—-

النبذة الثانية:عدم استطاعة الهرب

هل الهرب من دائرة الخطر –إذا كان ممكناً-واجب على المهدَّد؟اذا كان في وسع المهدد بالخطر ان ينجو بحقه عن طريق الهرب ولكنه فضل الصمود ومواجهة الخطر بأفعال الدفاع الملائمة , فهل يكون له الاحتجاج بالدفاع ؟ القاعدة ان له ذلك : فالدفاع حق , والهرب مشين لانه يدل على الجبن , ولا يجبر صاحب حق على النزول عنه والالتجاء الى مسلك يشينه . ولكن الهرب قد يكون في بعض الظروف غير مشين , ومحل ذلك ان تبرره اعتبارات تنفي عنه دلالته على الجبن , وفي هذه الحالة يتعين على المهدد بالخطر ان يلجأ اليه ويحظر عليه استعمال العنف ضد المعتدي , اذ لم يعد الدفاع لازما ولم تعد الوسيلة التي تصون الحق بدلا عنه مشينة , مثال ذلك ان يتعرض شخص لاعتداء صادر عن مجنون او طفل او صادر عن اب او ام , اذ لا يكون في الهرب ما يوصم بالجبن [2].

لعل هذا السؤال من أهم الإشكاليات المطروحة في الدفاع المشروع و قد أثار اراء فقهية عديدة. والبديهي أن التكافؤ في الوسائل لا يمكن اعتماده معيارا عادلاً,فلا يشترط ان يستعمل المعتدى عليه اداة مماثلة لما يستعمله المعتدي فقد لا تكون مثل هذه الاداة في متناول يده , ثم ان التفاوت بينهما في القوة البدنية قد يجعل الكفاية في اداة اقل خطورة ان كان اقوى منه بدنا فللمدافع ان يدافع عن نفسه بالوسيلة التي يراها لازمة لردالاعتداء والتي تختلف تبعا لاختلاف الظروف .


[1] جنايات بيروت ـ الثانية ـ رقم 1405 تاريخ 15/2/1996. الرئيس غنطوس والمستشاران رزق وخداع منشور في المصنّف في القضايا الجزائية للدكتور عفيف شمس الدين.

[2]الدكتور محمود نجيب حسني ,المرجع السابق ,رقم236 ص 237

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.