حالات الدفاع المشروع عن النفس
فإذا لم يكن ثمة خطر على الاطلاق لانه لم يرتكب فعل او ارتكب فعلا لا يهدد بخطر فلا محل للدفاع وقد قضي أن الشتتيمة لا تمثل خطراً يحتمل الدفاع المشروع فجاء في متن إحدى القرارات الصادرة عن محكمة جنايات بيروت ـ الثانية ما يلي:
“وحيث أن الأدلة المتوافرة في ملف الدعوى لا تشير إلى أن المجني عليه قام بعمل اعتداء من شأنه أن يضع المتهم في حالة دفاع مشروع عن نفسه. ولم يتوافر فيها ما يثبت جزماً أن المجني عليه باشر عملاً من أعمال العنف ضد المتهم قبل أن يقدم هذا على اطلاق النار عليه. علماً بأن الشتيمة، مهما بلغت، لا تشكل فعل اعتداء يبيح الرد عليه بالقتل. فيكون الادلاء بحالة الدفاع المشروع عن النفس في غير محله القانوني ومستوجباً الرد[1].
إن لفظة حق التي يستعملها الشارع هنا هي ذات بعد قانوني بحت وليس انساني عام وبالتالي يعد الخطر غير محق injuste اذا كان يهدد باعتداء على حق يحميه الشارع الجزائي , اي كان يهدد بتحقق نتيجة جرمية معينة : فمن يحمل السلاح في جسم غريمه ينشئ بفعله خطراً يهدد حق المجنى عليه في الحياة , وهو حق يحميه الشارع الجزائي , و يهدد بتحقق الوفاة , وهي نتيجة جرمية يقوم بها القتل , و لذلك يعد الخطر الذي ينشئه هذا الفعل خطر غير محق . ولكن ليس بشرط كي يكون الخطر غير محق ان يبلغ الفعل المنشئ له حد اعمال السلاح في جسم المجنى عليه , فمجرد توجيه السلاح الى جسمه او التهديد به , بل ان مجرد حمله في ظروف تجعل استعماله في الاعتداء على الحياة محتملا , كل هذه افعال تنشئ خطرا غير محق على الحياة . وتطبيقاً للضابط نفسه , فان توجيه المجرم قبضة يده الى وجه المجنى عليه وان لم يصبه فعل ينشئ خطرا مهددا للحق في سلامة الجسم , وهو لذلك خطر غير محق,لذا وجب التمييز بين الدفاع قبل تحقق النتيجة الجرمية وبين ردة الفعل اللاحقة لهذه النتيجة فإنّ الأولى برأينا يمكن تبريرها ضمن الدفاع المشروع و لا تبرر الثانية إلا إذا كانت تهدف إلى درء خطر لاحق وهذا سهل الإثبات كما نرى نظرا ًلتكون قرينة العدائية بسبب تحقق الإعتداء الأول.—-
المبحث الثاني:من ناحية موضوعه.
نعني بالموضوع أي ما يقع عليه الإعتداء .فقد نص الشارع على جواز الدفاع المشروع لدفع تعرض على { النفس او الملك } ويعني ذلك اطلاقه هذا الحق ضد كل فعل تقوم به جريمة على النفس او المال دون ما تفرقه بين النوعين .——-
ماذا عن الجريمة ضد الشرف كالذم او القدح؟
وإن كان يصعب تصور ممارسة الدفاع المشروع فيها إلا أنها تدخل حتماً ضمن الجرائم الواقعة على النفس وبالتالي يحق للمعتدى عليه اللجوء الى الدفاع المشروع , ولكن تطبيق اشتراط حلول الخطر على هذه الجرائم – وهي لا تفترض عنفا مادياً وانما ترتكب بقول او كتابة او ايماء – يقتضي القول بأنه لا محل للدفاع الا اذا كان ضرورياً لمنع المعتدي من البدء في اقواله او كتابته او ايمائه او الاسترسال فيها , اما ذا انتهى من نشاطه فنطق بكل عبارته مثلاً فان ما صدر بعد ذلك من عنف لا يعد دفاعا , و انما يكون انتقاما غير مبرر .
—-
النبذة الثانية:عدم استطاعة الهرب
هل الهرب من دائرة الخطر –إذا كان ممكناً-واجب على المهدَّد؟اذا كان في وسع المهدد بالخطر ان ينجو بحقه عن طريق الهرب ولكنه فضل الصمود ومواجهة الخطر بأفعال الدفاع الملائمة , فهل يكون له الاحتجاج بالدفاع ؟ القاعدة ان له ذلك : فالدفاع حق , والهرب مشين لانه يدل على الجبن , ولا يجبر صاحب حق على النزول عنه والالتجاء الى مسلك يشينه . ولكن الهرب قد يكون في بعض الظروف غير مشين , ومحل ذلك ان تبرره اعتبارات تنفي عنه دلالته على الجبن , وفي هذه الحالة يتعين على المهدد بالخطر ان يلجأ اليه ويحظر عليه استعمال العنف ضد المعتدي , اذ لم يعد الدفاع لازما ولم تعد الوسيلة التي تصون الحق بدلا عنه مشينة , مثال ذلك ان يتعرض شخص لاعتداء صادر عن مجنون او طفل او صادر عن اب او ام , اذ لا يكون في الهرب ما يوصم بالجبن [2].
لعل هذا السؤال من أهم الإشكاليات المطروحة في الدفاع المشروع و قد أثار اراء فقهية عديدة. والبديهي أن التكافؤ في الوسائل لا يمكن اعتماده معيارا عادلاً,فلا يشترط ان يستعمل المعتدى عليه اداة مماثلة لما يستعمله المعتدي فقد لا تكون مثل هذه الاداة في متناول يده , ثم ان التفاوت بينهما في القوة البدنية قد يجعل الكفاية في اداة اقل خطورة ان كان اقوى منه بدنا فللمدافع ان يدافع عن نفسه بالوسيلة التي يراها لازمة لردالاعتداء والتي تختلف تبعا لاختلاف الظروف .
[1] جنايات بيروت ـ الثانية ـ رقم 1405 تاريخ 15/2/1996. الرئيس غنطوس والمستشاران رزق وخداع منشور في المصنّف في القضايا الجزائية للدكتور عفيف شمس الدين.
[2]الدكتور محمود نجيب حسني ,المرجع السابق ,رقم236 ص 237